الشجاعة

 

 


"الشجاعة"




في إحدى الليالي سمعأهل المدينة صوتًا عاليًا، ألقى الخوف في قلوبهم، فانطلق الناس ناحيته، فقابلهمرسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق عائدًا، وكان قد سبقهم إلى مصدر هذا الصوت،فقال لهم: (لم تُرَاعوا..لم تراعوا (أي لا تفزعوا)) [متفق عليه].
*يروى أن أمير المؤمنين عمربن الخطاب -رضي الله عنه- وزَّع على الناس أثوابًا، وكان الثوب يكفي الرجل حتىساقيه، ولا يغطِّي سائر رجليه، وأخذ عمر ثوبًا مثل عامة الناس، وصعد المنبر فرآهالناس في ثوب طويل، ولما افتتح خطبته قال: أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا، فقام أحدالحاضرين، وقال: لا سمع ولا طاعة. فسأله عمر: ولماذا؟
فأجاب الرجل: لأنكأعطيتنا تلك الثياب القصيرة، واستأثرت لنفسك بهذا الثوب الطويل، فأمر عمر بن الخطابابنه عبد الله أن يرُدَّ على هذا الرجل ويبين له الحقيقة، فقام عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- ليعلن أنه قد تنازل عن ثوبه لأبيه حتى يكمل به جلبابه، فقال الرجل: الآن قل، نسمع ونطع.

*ما هيالشجاعة؟

هي جرأة القلب وقوة النفس عند مواجهة الأمورالصعبة.
شجاعة الرسول صلى الله عليه وسلم:
كان الصحابة -رضيالله عنهم- إذا اشتدت الحرب يحتمون خلف ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، ويجعلونه فيالمقدمة، وفي هذا يقول علي -رضي الله عنه: كنا إذا اشتدت البأساء(الحرب)احتمينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحدمنا أقرب إلى العدو منه.
ويقول البراء -رضي الله عنه-: ولقد كنا إذا حميالبأس نتقي بالرسول صلى الله عليه وسلم، وإن الشجاع الذي يحاذَي به.
وفيغزوة حنين حين اضطرب المسلمون، وفرَّ عدد كبير منهم، وقتل وأصيب آخرون، ظل النبيصلى الله عليه وسلم ثابتًا في مكانه لا يتزحزح، يضرب بسيفه يمينًا ويسارًا، مناديابأعلى صوته: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، وما إن سمع المسلمون هذاالنداء حتى عادت إلى قلوبهم الشجاعة، والتفوا مرة أخرى حول الرسول صلى الله عليهوسلم يقاتلون، حتى تحقق لهم النصر. وهكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أشجعالناس، فتعلم الصحابة الشجاعة منه، وكانوا قادة أَكْفَاء وقدوة في التضحيةوالفداء.

شجاعةالصحابة:
ضرب الصحابة أروع الأمثلة في الشجاعة، ومن هؤلاءالصحابة:
عمرو بن الجموح: منعه أبناؤه من الاشتراك في ميدان القتال؛ لأنهلا يستطيع السير على ساقه العرجاء، فقال لهم: والله، إني أريد أن أطأ بعرجتي هذهالجنة. واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال فأذن له وذهب إلى ميدانالمعركة فقاتل بشجاعة؛ حتى نال الشهادة في سبيل الله.
علي بن أبي طالب: تربى على الشجاعة والإقدام منذ صغره، وضرب لنا وهو صغير مثلا رائعًا في الشجاعةعندما نام في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء الهجرة؛ فعرَّض نفسه للموتبسيوف المشركين، ليُسَهِّل مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته إلى المدينةسالـمًا.
عبد الله بن رواحة: صحابي جليل جاهد في سبيل الله، واستشهد فيمعركة مؤتة، وقبل أن ينال الشهادة أخذ يخاطب نفسه ويحثها على القتال،فيقول:
أقسمتُ يا نَـفْسُلتَنْـزِلِـنَّــهْ
ما لـي أراك تكرهيـن الجنَّــةْ
يا نفـسُإلا تُقْتَلـِـي تمـوتـي
هـذا حِمامُ الموت قد صَلِيــتِ
وماتمنيـتِ فـقـد أُعْطِيــتِ
إن تفعلي فِعْلَهُمَـاهُـدِيـــتِ
وكان عبد الله يتمنى الشهادة، ويريد أن يلحق بصاحبيهزيد بن حارثة
وجعفر بن أبي طالب -شهداء مؤتة-، وبالفعل خاض المعركة،وأبلى في تلك الغزوة بلاءً حسنًا حتى فاز بالشهادة في سبيل الله، ولحق بصاحبيه فيالجنة.
خالد بن الوليد: أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم على خالد بنالوليد سيف الله المسلول لشجاعته واستبساله في الحروب، وعند موته كان حزينًا لأنهلم يمت شهيدًا في ميدان القتال، وقال: ما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنةبرمح أو رمية بسهم، وها أنذا أموت على فراشي حَتْفَ أنفي كما يموت البعير، فلا نامتأعين الجبناء.
أبو ذر الغفاري: عرف بشجاعته في الأمر بالمعروف والنهي عنالمنكر؛ حيث كان يدافع عن الفقراء، ويطلب من الأغنياء أن يتصدقوا ويخرجوا زكاةأموالهم التي هي حق الفقراء، وكان يقول: بَشِّر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضةبمكاوٍ من نار تُكْوَى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة.
نساء الصحابة: اتصفت نساء الصحابة -رضي الله عنهن- بالشجاعة والإقدام، فكن يشتركن مع المسلمين فيالمعارك، ويقمن بإعداد الطعام للمقاتلين، وتجهيز الماء لسقي الجنود، ومداواة الجرحىوالمرضى، حتى اشتهر من هؤلاء النساء السيدة أم عمارة نسيبة بنت كعب، والسيدة أمعطية الأنصارية، والسيدة أم سليم، والسيدة ليلي الغفارية، وغيرهن -رضي اللهعنهن-.
وذات مرة قابلت الصحابية الجليلة خَوْلَة بنت ثعلـبـة -رضـي اللهعنها- أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وظلت تنصحه، وتعظه، وهو واقف لايتحرك من أمامها، وينصت لكلامها حتى انتهت من نصيحتها.
أطفال الصحابة: أظهر كثير من الأطفال حزنهم لعدم اشتراكهم في المعارك مع رسول الله صلى الله عليهوسلم، فيحكى أن عمير بن أبي وقاص -وكان صغيرًا- اختبأ في صفوف الجيش حتى لا يراهالرسول صلى الله عليه وسلم فيرده لصغر سنه، وحينما طلب منه الرسول صلى الله عليهوسلم أن يرجع بكى؛ فسمح له الرسول صلى الله عليه وسلم بمصاحبةالجيش.

أنواع الشجاعة:

الشجاعة لها أنواع كثيرة، منها:

الشجاعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:كانرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغضب إلا إذا انْتُهِكَتْ حرمة من حرمات الله، أوارتكب أحد الناس منكرًا بأن فعل معصية، فيأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالخير،وينهاه عن المنكر والمعصية، وقد تعلم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ذلكمنه.
وقد أمر الله -سبحانه- بهذا النوع من الشجاعة، إذ وجهنا سبحانهإليها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: {الذين إنمكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وللهعاقبة الأمور} [الحج: 41]، وقال كذلك: {وما كانالمؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذرواقومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122].
وقال الرسولصلى الله عليه وسلم: (قل الحق، ولو كان مرًّا) [أحمد]. وقالصلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإنلم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) [مسلم].
وقد بين النبي صلىالله عليه وسلم أن الرجل الذي يعظ ولي الأمر وينصحه في لين ورفق له أجر عظيم وجزاءوفير من رب العالمين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (سيدالشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله) [الحاكم].

الشجاعة في طلبالعلم:المسلم يسعى دائمًا إلى طلب العلم، ويسأل ويستفسر عما لا يعرفه؛ لأنطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلميسألونه، ويستفسرون منه عما لا يعرفونه دون خجل؛ وكان الرجل منهم والمرأة -رضي اللهعنهم- في ذلك الأمر سواء.

الشجاعة فيالاعتراف بالخطأ:المسلم دائمًا يميل إلى الحق والصواب، وإذا أخطأ يسارعبالاعتراف بخطئه والندم عليه والتوبة إلى الله منه. ومن ذلك موقف سيدنا آدم -عليهالسلام- حينما أكل من الشجرة المحرَّمة وعصى ربه، فسارع بالاعتراف بخطئه واستغفرربه حتى تاب الله عليه.
كذلك نبي الله يونس -عليه السلام- حينما التقمهالحوت، لجأ إلى ربه ذاكرًا مستغفرًا، حتى نجَّاه الله مما هو فيه، وكان يدعو ربه،ويقول: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت منالظالمين.
وهكذا المسلم دائمًا يرجع ويعود إلى الحق، فإذا صدر منهذنب أو خطأ فإنه يتوب ويعتذر ويعترف بخطئه.

الشجاعة في القتال:أمر الله المسلمين أن يستعدوالمواجهة أعدائه، فقال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم اللهيعلمهم} [الأنفال: 60].
وأمر الله المسلمين أن يقاتلوا المشركينبقوة وثبات وهم يد واحدة، فقال الله تعالى: {إن الله يحبالذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص} [الصف: 4].
وقالالله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتواواذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون} [الأنفال: 45].
وقال اللهتعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًافلا تولوهم الأدبار} [الأنفال: 15].
والمسلم لا يخشى الموت فيسبيل الله، فهي منزلة عظيمة عند الله -سبحانه-.
يقولالشاعر:
وإذا لـم يَكُـنْ للمــوتِبُــدٌّ
فَمِنَ الْعَجْزِ أنْ تموتَ جَبـَـانَــا
وحثالنبي صلى الله عليه وسلم على القوة، فقال: (المؤمن القوي خيروأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير. احرص على ما ينفعك، واستعن باللهولا تَعْجَزْ، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلتُ كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) [مسلم]. فعلى المسلم أنيجعل الشجاعة صفة لازمة له على الدوام.