الشكر

"الشكر"


كان في بني إسرائيل ثلاثة رجال: أبرص وأقرع وأعمى. وكان كلمنهم يدعو الله أن يزيل ما به من مرض وأن يرزقه المال، فاستجاب الله لهم، وبعث إلىالأبرص مَلَكًا وضع يده على جلده، فأصبح حسن اللون، وأعطاه ناقة عُشَرَاءَ ولدتوأصبح لها نسل كثير حتى صار غنيا. وذهب الملَك إلى الأقرع فمسح رأسه فشفاه الله،وأعطاه بقرة حاملا فولدت، وصار له قطيع من البقر.
ثم ذهب الملك إلىالأعمى فوضع يده على عينه، فشفاه الله، وأعطاه الملك شاة وولدها فولدت له حتى صارله قطيع من الغنم، وبعد فترة، جاء إليهم الملك ليختبرهم، هل يشكرون الله -سبحانه-،ويتصدقون على الفقراء أم لا؟
فذهب إلى الأبرص ثم ذهب إلى الأقرع، فلميعطياه شيئًا، وقالا له: إنا ورثنا المال عن آبائنا، فعادا كما كانا، وأصبحافقيرين.
ثم ذهب الملك إلى الأعمى وطلب منه صدقة فرحب به، وقال له: قدكنتُ أعمى فرد الله على بصري، فخذ ما شئتَ ودع ما شئتَ. فقال له الملك: قد رضي اللهعنك. [القصة من حديث متفق عليه]. وهكذا يكون الأعمى قد نجح في الامتحان؛ فشكر ربهوتصدَّق مما رزقه الله؛ فزاد الله عليه النعمة وباركها له، بينما بخل الأقرعوالأبرص ولم يشكرا ربهما؛ فسلب الله منهما النعمة.
***
يحكى أنرجلا ابتلاه الله بالعمى وقطع اليدين والرجلين، فدخل عليه أحد الناس فوجده يشكرالله على نعمه، ويقول: الحمد الله الذي عافاني مما ابتلى به غيري، وفضَّلني علىكثير ممن خلق تفضيلا، فتعجب الرجل من قول هذا الأعمى مقطوع اليدين والرجلين، وسأله: على أي شيء تحمد الله وتشكره؟
فقال له: يا هذا، أَشْكُرُ الله أن وهبنيلسانًا ذاكرًا، وقلبًا خاشعًا وبدنًا على البلاء صابرًا.
يحكى أن رجلاذهب إلى أحد العلماء، وشكا إليه فقره، فقال العالم: أَيسُرُّكَ أنك أعمى ولك عشرةآلاف درهم؟ فقال الرجل: لا. فقال العالم: أيسرك أنك أخرس ولك عشره آلاف درهم؟ فقالالرجل: لا. فقال العالم: أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف درهم؟ فقال الرجل: لا. فقالالعالم: أيسرك أنك مقطوع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفًا؟ فقال الرجل: لا. فقالالعالم، أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك نعم بخمسين ألفًا.
فعرف الرجلمدى نعمة الله عليه، وظل يشكر ربه ويرضى بحاله ولا يشتكي إلى أحدأبدًا.

ما هو الشكر؟
الشكرهو المجازاة على الإحسان، والثناء الجميل على من يقدم الخيروالإحسان.

شكرالأنبياء:
كان الشكر خلقًا لازمًا لأنبياء الله -صلوات اللهعليهم-، يقول الله -تعالى- عن إبراهيم -عليه السلام-: {إنإبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين. شاكرًا لأنعمه اجتباه وهداهإلى صراط مستقيم}.[النحل: 120-121].
ووصف الله -عز وجل- نوحًا -عليه السلام- بأنه شاكر،فقال: {ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدًا شكورًا} [الإسراء: 3]. وقال الله تعالى عن سليمان -عليه السلام-: {قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكرلنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم} [النمل: 40].
وكان رسول الله صلىالله عليه وسلم كثير الشكر لربه، وقد علَّمنا أن نقول بعد كل صلاة: (اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)[أبو داود والنسائي].
وتحكيالسيدة عائشة -رضي الله عنها- أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل، ويصليلله رب العالمين حتى تتشقق قدماه من طول الصلاة والقيام؛ فتقول له: لِمَ تصنع هذايا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فيرد عليها النبي صلىالله عليه وسلم قائلا: (أفلا أكون عبدًا شَكُورًا)
[
متفق عليه].

أنواعالشكر:
المسلم يشكر كل من قدم إليه خيرًا، أو صنع إليهمعروفًا، ومن أنواع الشكر:
شكرالله:المسلم يشكر ربه على نعمه الكثيرة التي أنعم بها عليه، ولا يكفربنعم الله إلا جاحد، قال تعالى: {فاذكروني أذكركم واشكروالي ولا تكفرون} [البقرة: 152].
ويقول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إنكنتم إياه تعبدون} [البقرة: 172].
ونعم الله على الإنسان لا تعدولا تُحْصَى، يقول تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34].
ويقول تعالى: {قل هو الذيأنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون} [الملك: 23].
ويقول تعالى: {وأيدكم بنصره ورزقكممن الطيبات لعلكم تشكرون}[الأنفال: 26].
ويقول تعالى: {ومن رحمته جعل لكمالليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} [القصص: 73].
ويتحقق شكر الله بالاعتراف بالنعم، والتحدث بها، واستخدامهافي طاعة الله، قال تعالى: {وأما بنعمة ربك فحدث} [الضحى: 11].
وقال الله صلى الله عليه وسلم: (التحدُّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكرالكثير، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله) [البيهقي]. وقال رسول الله صلىالله عليه وسلم: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأَكْلَةفيحمده عليها، أو يشرب الشَّربة فيحمده عليها) [مسلم والترمذيوأحمد].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) [أبوداودوالترمذي].
وقال عمر بن عبد العزيز عن الشكر: تذكروا النعم؛ فإنَّذكرها شكرٌ..
والرضا بقضاء الله شكر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟! فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟!فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقولالله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسمُّوه بيت الحمد) [الترمذيوأحمد]..
وعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نسجد لله سجدة شكرإذا ما حدث لنا شيء يسُرُّ، أو إذا عافانا الله من البلاء.
شكر الوالدين:أمر الله -عز وجل- بشكر الوالدينوالإحسان إليهما، يقول تعالى: {أن اشكر لي ولواديك إليالمصير} [لقمان: 14]. فالمسلم يقدم شكره لوالديه بطاعتهما، وبرهما، والإحسانإليهما، والحرص على مرضاتهما، وعدم إغضابهما.
شكر الناس:المسلم يقدِّر المعروف، ويعرف للناسحقوقهم، فيشكرهم على ما قدموا له من خير. قال الله صلى الله عليه وسلم: (لا يشْكُرُ اللهَ من لا يشْكُرُ الناسَ) [أبو داودوالترمذي]. وقال الله صلى الله عليه وسلم: (إن أشكرالناس لله -عز وجل- أشكرهم للناس) [أحمد].
وأحق الناس بأن تقدم لهالشكر مُعَلِّمُك؛ لما له عليك من فضل، قال الشاعر:
قُم للمُـعَلِّم وفِّـه التبـجـيـلا
كــاد العلـم أنيكـون رســولا
وحثنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقدم كلمة الشكرلمن صنع إلينا معروفًا؛ فنقول له: جزاك الله خيرًا. قال رسول الله صلى الله عليهوسلم: (من صُنِع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا،فقد أَبْلَغَ في الثناء) [الترمذي والنسائي].

فضل الشكر:
إذا تحلى المسلم بخلق الشكر والحمدلربه، فإنه يضمن بذلك المزيد من نعم الله في الدنيا، ويفوز برضوانه وجناته، ويأمنعذابه في الآخرة، قال تعالى: {لئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم: 7]. وقال سبحانه: {ما يفعل الله بعذابكمإن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرًا عليمًا} [النساء: 147]. وقال الحسن: كلما شكرتَ نعمة، تَجَدَّدَ لك بالشكر أعظممنها.

عدم الشكر وآثاره:
المسلم ليس من الذين لا يقَدِّرُون المعروف، ولا يشكرون الله -سبحانه- على نعمه، ولا يشكرون الناس، فإن هؤلاء هم الجاحدون الذين ينكرون المعروف،وقد ذمهم القرآن الكريم، فقال تعالى: {ومن شكر فإنما يشكرلنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم} [النمل: 40].
وقال الإمام على -رضي الله عنه-:كفر النعمة لؤم. وقال تعالى: {لئن شكرتملأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} [إبراهيم: 7]. فقد جعل الله الجنةجزاءً للشاكرين الحامدين، وجعل النار عقابًا للجاحدينالمنكرين.