العدل

 

 


"العدل"

 


سرقت امرأة أثناء فتح مكة، وأراد الرسول صلى الله عليه وسلمأن يقيم عليها الحدَّ ويقطع يدها، فذهب أهلها إلى أسامة بن زيد وطلبوا منه أن يشفعلها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يقطع يدها، وكان الرسول صلى الله عليهوسلم يحب أسامة حبَّا شديدًا.
فلما تشفع أسامة لتلك المرأة تغير وجهالرسول صلى الله عليه وسلم، وقال له: (أتشفع في حد من حدودالله؟!). ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب في الناس، وقال: (فإنما أهلك الذينقبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليهالحد، وايم الله (أداة قسم)، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها) [البخاري].
***
جاء رجل من أهلمصر إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وقال له: يا أمير المؤمنين، لقد تسابقتُ معابن عمرو بن العاص وإلى مصر، فسبقتُه فضربني بسوطه، وقال لي: أنا ابن الأكرمين. فكتب عمر بن الخطاب إلى
عمرو بن العاص: إذاأتاك كتابي هذا فلتحضر إلى ومعك ابنك، فلما حضرا أعطى عمر بن الخطاب السوط للرجلالمصري ليضرب ابن عمرو قائلا له: اضرب ابنالأكرمين.
***
في عهد عمر بنالخطاب -رضي الله عنه- أسلم رجل من سادة العرب، وذهب للحج، وبينما كان يطوف حولالكعبة، داس رجل على طرف ردائه، فضربه على وجهه ضربة شديدة، فذهب الرجل إلى عمر بنالخطاب، واشتكى له، فطلب عمر -رضي الله عنه- إحضار الضارب، فلما حضر أمر عمر الرجلأن يقتص منه بأن يضربه على وجهه مثلما فعل معه، فقال متعجبًا: وهل أستوي أنا وهو فيذلك؟ فقال عمر: نعم، الإسلام سوَّى بينكما.
***
يحكى أن رجلا اصطاد سمكة كبيرة، ففرح بها، وفي طريق عودته إلىزوجته وأولاده، قابله حاكم المدينة، ونظر إلى السمكة التي معه، فأخذها منه، فحزنالصياد، ورفع يديه إلى السماء شاكيا لله -عز وجل-، طالبًا منه أن يريه جزاء هذاالظالم.
ورجع الحاكم إلى قصره، وبينما هو يعطي السمكة للخادم لكييُعِدَّها له، إذا بالسمكة تعضه في إصبعه، فصرخ وشعر بألم شديد، فأحضروا لهالأطباء، فأخبروه أن إصبعه قد أصابه السم من عضة السمكة، ويجب قطعه فورًا حتى لاينتقل السم إلى ذراعه، وبعد أن قطع الأطباء إصبعه، أحس أن السم ينتقل إلى ذراعهومنه إلى بقية جسده، فتذكر ظلمه للصياد، وبحث عنه، وعندما وجده ذهب إليه مسرعًايطلب منه أن يسامحه ويعفو عنه حتى يشفيه الله، فعفاعنه.
***

ذات يوم، اختلف الإمامعلى -رضي الله عنه- مع يهودي في درع (يُلبس كالرداء على الصدر في الحروب)، فذهباإلى القاضي، وقال الإمام علي: إن هذا اليهودي أخذ درْعِي، وأنكر اليهودي ذلك، فقالالقاضي للإمام علي: هل معك من شهود؟ فقال الإمام علي: نعم، وأحضر ولده الحسين، فشهدالحسين بأن هذا الدرع هو درع أبيه. لكن القاضي قال للإمام علي: هل معك شاهدآخر؟
فقال الإمام علي: لا.
فحكمالقاضي بأن الدرع لليهودي؛ لأن الإمام عليا لم يكن معه من الشهود غير ولده. فقالاليهودي: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين فقضى على أمير المؤمنين ورضى. صدقتَ والله يا أمير المؤمنين.. إنها لدرعك سقطتْ عن جمل لك التقطتُها؛ أشهد أن لاإله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فأعطاه الإمام على الدرع فرحًابإسلامه.
***
ما هوالعدل؟
العدل هو الإنصاف، وإعطاء المرء ما له، وأخذ ما عليه. وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تأمر بالعدل، وتحث عليه، وتدعو إلى التمسكبه، يقول تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذيالقربى} [النحل: 90]. ويقول تعالى: {وإذا حكمتم بينالناس أن تحكموا بالعدل} [النساء: 58]. والعدل اسم من أسماء الله الحسنىوصفة من صفاته سبحانه.

أنواعالـعـدل:
للعدل أنواع كثيرة، منها:

العدل بين المتخاصمين:كان صلى الله عليه وسلممثالا في تطبيق العدل، وقد جاء إليه رجلان من الأنصار يختصمان إليه، ويطلبان منه أنيحكم بينهما، فأخبرهما النبي صلى الله عليه وسلم بأن مَنْ يأخذ حق أخيه، فإنما يأخذقطعة من النار، فبكي الرجلان وتنازل كل واحد منهما عن حقهلأخيه.

العدل في الميزانوالمكيال:المسلم يوفي الميزان والكيل، ويزن بالعدل، ولا ينقص الناسحقوقهم، ولا يكون من الذين يأخذون أكثر من حقهم إذا اشتروا، وينقصون الميزانوالمكيال إذا باعـوا، وقـد توَّعـد الله من يفعـل ذلك، فقـال الله تعالى: {ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون . وإذا كالوهمأو وزنوهم يخسرون . ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون . ليوم عظيم} [المطففين: 1-5]. وقال تعالى: {وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسرواالميزان} [الرحمن: 9].
العدل بينالزوجات:والمسلم يعدل مع زوجته فيعطيها حقوقها، وإذا كان له أكثر منزوجة فإنه يعدل بينهن في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمبيت والنفقة، قال اللهصلى الله عليه وسلم: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهماجاء يوم القيامة وشِقُّه مائل) [أبو داود والنسائي والترمذي وابنماجه].
والميل الذي حذر منه هذا الحديث هو الجور على حقوقها،ولهذا روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين زوجاته -رضوان الله عليهن- بالعدل، ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيماتملك ولا أملك).[أبو داود والترمذي والنسائيوابن ماجه].

العدل بينالأبناء:فالمسلم يسوِّي بين أولاده حتى في القُبْلَة، فلا يُفَضِّلبعضهم بهدية أو عطاء؛ حتى لا يكره بعضهم بعضًا، وحتى لا تُوقَد بينهم نار العداوةوالبغضاء.
يقول النعمان بن بشير: أعطاني أبي عطيةً،فقالت عمرة بنت رواحة (أم النعمان): لا أرضى حتى تُشْهِدَ رسول الله صلى الله عليهوسلم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أعطيتُ ابني من عمرة بنت رواحةعطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله. فقال الله صلى الله عليه وسلم: (أعطيتَ سائرولدك مثل هذا؟ قال: لا. قال الله صلى الله عليه وسلم: (فاتقوا الله واعدلوا بينأولادكم) [البخاري].

العدل معكل الناس:المسلم مطالب بأن يعدل مع جميع الناس سواء أكانوا مسلمين أوغير مسلمين، فالله يأمر بعدم إنقاص الناس حقوقهم، قال تعالى: {ولا تبخسوا الناس أشيائهم} [الشعراء: 138].
وقال تعالى: {ولا يجرمنكم شنأن قومعلى ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8]أي: لا تحملكم عداوتكموخصومتكم لقوم على ظلمهم، بل يجب العدل مع الجميع سواء أكانوا أصدقاء أمأعداء.

فضل العدل:
*
العدلله منزلة عظيمة عند الله، قال تعالى: {وأقسطوا إن الله يحبالمقسطين} [الحجرات: 9]. وكان الصحابي الجليل أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: عمل الإمام العادل في رعيته يومًا أفضل من عبادة العابد في أهله مائةسنة.
*
العدل أمان للإنسان في الدنيا، وقد حُكي أن أحد رسل الملوك جاءلمقابلة
عمر بن الخطاب، فوجده نائمًا تحت شجرة، فتعجب؛ إذ كيف ينام حاكمالمسلمين دون حَرَسٍ، وقال: حكمتَ فعدلتَ فأمنتَ فنمتَ يا عمر.
*
العدل أساس الملك، فقد كتب أحد الولاة إلى الخليفة عمر بن عبدالعزيز-رضي الله عنه- يطلب منه مالاً كثيرًاليبني سورًا حول عاصمة الولاية. فقال له عمر: ماذا تنفع الأسوار؟ حصنها بالعدل،ونَقِّ طرقها من الظلم.
*
العدل يوفر الأمان للضعيف والفقير،ويُشْعره بالعزة والفخر.
*
العدل يشيع الحب بين الناس، وبين الحاكموالمحكوم.
*
العدل يمنع الظالم عن ظلمه، والطماع عن جشعه، ويحمي الحقوقوالأملاك والأعراض.

الظلم:



حذَّر الله -تعالى- من الظلم،فقال عز وجل: {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمونإنما يؤخرهم ليوم تشخص في الأبصار} [إبراهيم: 24].
وقال تعالى: {فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم} [_الزخرف: 65].
وقال تعالى: {ألا لعنة الله علىالظالمين} [_هود: 18].
وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم أيضًامن الظلم، فقال: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) [مسلم]، وقال الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعواتمستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر) [البيهقي].
وقال الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) [البخاري].

أنواعالظلم:
ظلم الإنسانلربه:وذلك بألا يؤمن الإنسان بخالقه ويكفر بالله -عز وجل- وقد جعل اللهالشرك به -سبحانه- من أعظم الظلم، فقال: {لا تشرك بالله إنالشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13].
ظلمالإنسان للإنسان:وذلك بأن يعتدي الظالم على الناس في أنفسهم أو أموالهمأو أعراضهم، فشتم المسلمين ظلم، وأخذ أموالهم ظلم، والاعتداء عليهم ظلم، والمسلمبعيد عن كل هذا.
ظلم الإنسانلنفسه:وذلك بارتكاب المعاصي والآثام، والبعد عن طريق
الله -سبحانه- واتباع طريق الشيطان.

جزاءالظلم:
ذات يوم سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه، فقال: (أتدرون ما المفلس؟)، قالوا: الْمُفْلِسُ فينا من لا درهم لهولا متاع. فقال الله صلى الله عليه وسلم: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامةبصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضربهذا. فيعْطَي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيتْ حسناته قبل أن يقْضِي ماعليه أُخِذَ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار) [مسلموالترمذي].
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على أداء الحقوق إلىأصحابها، قبل أن يأتي يوم القيامة فيحاسبهم الله على ظلمهم، قال الله صلى الله عليهوسلم: (لَتُؤَدَّن الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقَاد (يُقْتَص) للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) [مسلم].
فكل مخلوق سوفيأخذ حقه يوم القيامة، حتى النعجة التي ليس لها قرون (جلحاء) إذا ضربتْها في الدنيانعجة ذات قرون (قرناء)، فإن الأولى سوف تقتص وتأخذ حقها من الثانية، وقال الله صلىالله عليه وسلم: (من ظلم قيد شبر من الأرض، طُوِّقَه من سبعأرضين) [متفق عليه].
فكل إنسان يظلم ويأخذ ما ليس حقًّا له فسوفيكون عليه وبالا في الآخرة، وسوف يعذَّب يوم القيامة عقابًا له على ظلمه في الدنيا،يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لَيمْلِي للظالم (أي: يؤخر عقابه)، حتى إذا أخذه لم يفْلته)[متفق عليه]، ثم قرأ: {وكذلك أخذ ربكإذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود: 102].
وقال صلىالله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة: (يا عبادي، إني حرَّمتُالظلم على نفسي وجعلتُه بينكم محرَّمًا فلا تَظَالموا) [مسلم].
فعلى المسلم أن يبتعد عن الظلم، ولا يعين الظالمين،وليتذكر دائمًا قول الشاعر:
لا تظــلمنَّ إذا مـاكنـتَ مُقْتَــدِرًا
فالظلـم ترجـع عُقْبَاهُ إلىالـنَّـــدَمِ
تنـام عيـناك والمظلوم مُنْتَبِـــــهٌ
يـدعوعليـك وعَيـنُ الله لم تَـنَــمِ