العفة

"العفة"

نشأ يوسف -عليهالسلام- محاطًا بعطف أبيه يعقوب، فحسده إخوته، وأخذوه وألقوه في بئر عميقة. وجاءتقافلة إلى البئر، فوجدت يوسف، فأخذته وذهبت به إلى مصر، ليبيعوه في سوق العبيد،فاشتراه عزيز مصر (وزيرها الأكبر)؛ لما رأي فيه من كرم الأصل وجمال الوجه ونبلالطبع، وطلب من امرأته أن تكرمه وتحسن إليه. وكبر يوسف، وصار شابًّا قويًّا جميلا،فأُعجبتْ به امرأة العزيز، ووسوس لها الشيطان أن تعصي الله معه، فانتظرت خروجالعزيز وقامت بغلق الأبواب جيدًا، واستعدت وهيأت نفسها، ثم دعت يوسف إلى حجرتها،لكن نبي الله يوسف أجابها بكل عفة وطهارة، قائلا: {معاذالله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون} [يوسف: 23]. معاذ الله أنأجيبكِ إلى ما تريدين، وأُنَفِّذ ما تطلبين، وإن كنتِ قد أغلقتِ الأبواب، فإن اللهيعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
*
ذهب ثلاثة رجال فيسفر. وفي الطريق، دخلوا غارًا في جبل يبيتون فيه، فسقطت منه صخرة كبيرة سدَّت بابالغار، ولم يستطع الثلاثة أن يحركوا تلك الصخرة الكبيرة، وأيقنوا بالهلاك، وأخذ كلواحد منهم يدعو ربه أن ينجيهم ويُفَرِّجَ عنهم ما هم فيه.
وكان أحد هؤلاءالثلاثة له ابنة عم يحبها حبَّا شديدًا، وكان يدعوها إلى معصية الله، لكنها كانتترفض، حتى مرت بها أزمة مالية، فجاءته تطلب منه المال، فقال لها: لا أعطيك حتىتمكنيني من نفسك. فتركته المرأة وذهبت إلى مكان آخر تطلب منه مالا، فلم تجد منيعطيها، فاضطرت أن تعود إلى ابن عمها، وعندما اقترب منها، قالت له: اتِّقِ الله،وذكَّرتْه بالعفة والطهارة، وخوفتْه من عقاب الله، فعاد الرجل إلى صوابه ورشده،وأعطاها المال، واستغفر ربه.
ودعا هذا الرجل ربه أن يزيل الصخرة من باب الغار؛لأن عمله هذا كان خالصًا لوجهه الكريم، فاستجاب الله دعاءه، وتحركت الصخرة، وخرجالثلاثة، ونـجَّاهم الله من الموت في الغار، وكانت العفة من الأخلاق الفاضلة التيأنجت الثلاثة. _[القصة مأخوذة من حديث متفق عليه].

*ماهي العفة؟
العفة هي البعد عن الحرام وسؤال الناس.

أنواع العفة:
للعفة أنواع كثيرة، منها:

عفة الجوارح:المسلم يعف يده ورجله وعينه وأذنهوفرجه عن الحرام فلا تغلبه شهواته، وقد أمر الله كل مسلم أن يعف نفسه ويحفظ فرجهحتى يتيسر له الزواج، فقال تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدوننكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله} [النور: 33].
وحث النبي صلى الله عليهوسلم الشباب على الزواج طلبًا للعفة، وأرشد من لا يتيسر له الزواج أن يستعين بالصوموالعبادة، حتى يغضَّ بصره ويحصن فرجه، فقال الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة (أداء حقوق الزوجية) فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء (وقاية). [متفق عليه].

عفةالجسد:المسلم يستر جسده، ويبتعد عن إظهار عوراته؛ فعلى المسلم أن يسترما بين سرته إلى ركبتيه، وعلى المسلمة أن تلتزم بالحجاب، لأن شيمتها العفة والوقار،وقد قال الله -تبارك وتعالى-: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} [النور: 31]، وقال تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجكوبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكانالله غفورًا رحيمًا} [الأحزاب: 59].
وحرَّم الإسلام النظر إلى المرأةالأجنبية، وأمر الله المسلمين أن يغضوا أبصارهم، فقال: {قلللمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} [النـور: 30]. وقال تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن أبصارهن ويحفظن فروجهن}
[
النور: 31]. وقال سبحانه: {إن السمع والبصر والفؤاد كلأولئك كان عنه مسؤولا} [الإسراء: 36].
وفي الحديث القدسي: (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلتُه إيمانًايجد حلاوته في قلبه) [الطبراني والحاكم].
وسئل الرسول صلى الله عليه وسلمعن نظرة الفجأة (وهي النظرة التي لا يقصدها الإنسان ولا يتعمدها)، فقال الله صلىالله عليه وسلم: (اصرف بصرك) [أبو داود].

العفة عن أموال الغير:المسلم عفيف عن أموالغيره لا يأخذها بغير حق. وقد دخل على الخليفة عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- أحدُ وزرائه ليلا يعرض عليه أمور الدولة. ولما انتهى الوزير من ذلك، أخذ يسامرالخليفة ويتحدث معه في بعض الأمور الخاصة، فطلب منه عمر الانتظار، وقام فأطفأالمصباح، وأوقد مصباحًا غيره، فتعجب الوزير وقال: يا أمير المؤمنين، إن المصباحالذي أطفأتَه ليس به عيب، فلم فعلتَ ذلك؟ فقال عمر: المصباح الذي أطفأتُه يُوقَدُبزيتٍ من مال المسلمين.. بحثنا أمور الدولة على ضوئه، فلما انتقلنا إلى أمورناالخاصة أطفأتُه، وأوقدتُ مصباحًا يوقد بزيتٍ من مالي الخاص. وبهذا يضرب لنا عمر بنعبد العزيز المثل الأعلى في التعفف عن أموال الدولة مهما كانت صغيرة.
كما أنالمسلم يتعفف عن مال اليتيم إذا كان يرعاه ويقوم على شئونه، فإن كان غنيَّا فلايأخذ منه شيئًا، بل ينمِّيه ويحسن إليه طلبًا لمرضاة الله -عز وجل-، يقول تعالى: {ومن كان غنيًا فليستعفف} [النساء: 6].
وقد ضرب لنا الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- مثلارائعًا في العفة عن أموال الغير حينما هاجر إلى المدينة المنورة، وآخى الرسول صلىالله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع -رضي الله عنه-، قال سعد لعبد الرحمن: إنيأكثر الأنصار مالا، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسَمِّها ليأطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجْها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك. أين سوقكم؟ فدلُّوه على سوق بني قَيْنُقاع) [البخاري]. وذهب إلى السوقليتاجر، ويكسب من عمل يديه.

عفة المأكلوالمشرب:المسلم يعف نفسه ويمتنع عن وضع اللقمة الحرام في جوفه، لأن منوضع لقمة حرامًا في فمه لا يتقبل الله منه عبادة أربعين يومًا، وكل لحم نبت من حرامفالنار أولي به، يقول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا منطيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} [البقرة: 172].
وحثناالنبي صلى الله عليه وسلم على الأكل من الحلال، وبيَّن أن أفضل الطعام هو ما كان منعمل الإنسان، فقال الله صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحدطعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) [البخاري].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (منأمسى كالا (متعبًا) من عمل يديه أمسى مغفورًا له) [الطبراني]. وذلك لأن فيالكسب الحلال عزة وشرفًا، وفي الحرام الذل والهوان والنار. ويقول صلى الله عليهوسلم: (إنه لا يربو (يزيد أو ينمو) لحم نبت من سُحْتٍ (مالحرام) إلا كانت النار أولى به) [الترمذي].
عفة اللسان:المسلم يعف لسانه عن السب والشتم، فلايقول إلا طيبًا، ولا يتكلم إلا بخير، والله -تعالى- يصف المسلمين بقوله: {وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد} [الحج: 24]. ويقول عز وجل عن نوع الكلام الذي يقبله: {إليهيصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10].
ويأمرنا الله -سبحانه- أن نقول الخير دائمًا، فيقول تعالى:{وقولوا للناسحسنًا حٍسًنْا} [البقرة: 83]. ويقول صلى الله عليه وسلم: (لا يكون المؤمن لعَّانًا) [الترمذي]. ويقول: (ليس المؤمن بالطَّعَّان ولا اللَّعَّان ولا الفاحش ولا البذيء) [الترمذي].
وقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على الصدق في الحديث،ونهانا عن الكذب، فقال: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البريهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يُكْتَبَ عند الله صديقًا. وإن الكذب يهدي إلىالفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا) [متفق عليه].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيَقُلْ خيرًا أو لِيَصْمُتْ) [متفق عليه]. والمسلم لا يتحدث فيما لا يُعنيه. قال الله صلى الله عليهوسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يُعنيه) [الترمذي وابنماجه].
التعفف عن سؤال الناس:المسلم يعف نفسه عن سؤال الناس إذا احتاج، فلا يتسول ولا يطلب المال بدون عمل، وقدمدح الله أناسًا من الفقراء لا يسألون الناس لكثرة عفتهم، فقال تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناسإلحافًا} [البقرة: 273].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اليد العليا خيرمن اليد السفلى، وابدأ بمن تعول وخير الصدقة ماكان عن ظهر غِنًى، ومن يستعففْ يُعِفَّهُ الله، ومن يستغنِ يُغْنِه الله) [متفقعليه].

فضل العفة:
وإذا التزمالمسلم بعفته وطهارته فإن له عظيم الأجر ووافر الثواب عند الله، قال الله صلى اللهعليه وسلم: (ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يُغْنِهالله)
[
متفق عليه]. ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو ربه فيقول: (اللهم إني أسألك الْهُدَى والتُّقَى والعفاف والغنى) [مسلم].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبعةيظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله،ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجلدَعَتْهُ امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدق فأخفاها حتىلا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) [متفقعليه].
وقد أثنى الله -تعالى- على عباده المؤمنين بحفظهم لفروجهم وعفتهمعن الحرام، فقال تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون . إلاعلى أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين . فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك همالعادون}
[
المؤمنون: 5-7]. وقال الله صلى الله عليه وسلم: (عِفُّوا عن النساء تَعِفَّ نساؤكم) [الطبرانيوالحاكم].