الكرم

 

 


"الكرم"



بعث معاوية -رضي الله عنه- إلى السيدة عائشة -رضي الله عنها- بمال قدره مائة وثمانون ألف درهم، فأخذت -رضي الله عنها- تقسمالمال، وتوزعه على الناس حتى تصدقت به كله، وكانت صائمة، فأمرت جاريتها أن تحضر لهاالطعام لتفطر، فأحضرت لها الجارية خبزًا وزيتًا، وقالت لها: أما استطعتِ فيما قسمتِاليوم أن تشتري لنا لحمًا بدرهم؛ لنفطر عليه، وهكذا تصدقتْ بهذا المبلغ الكبير،ونسيتْ أن تبقي درهمًا تشتري به طعامًا لإفطارها.
***
ذات يوم، أحضر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مالا كثيرًا إلى رسولالله صلى الله عليه وسلم، فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم: (ماذا أبقيتَ لأهلك ياعمر؟)، فيقول: أبقيتُ لهم نصف مالي.
ويأتي أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- فيحضرماله كله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما سأله النبي صلى الله عليه وسلم: (ماذا تركتَ لأولادك يا أبا بكر؟)، فيقول: تركتُ لهم اللهورسوله.
***
ما هو الكرم؟
الكرميطلق على كل ما يحمد من أنواع الخير والشرف والجود والعطاء والإنفاق.
وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أكرم الناس؟ قال: (أتقاهملله). قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: (فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابنخليل الله) [البخاري].
فالرسول صلى الله عليه وسلم وصف يوسف -عليهالسلام- بالكرم لأنه اجتمع له شرف النبوة والعلم والجمال والعفة وكرم الأخلاقوالعدل ورياسة الدنيا والدين، وهو نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي.

كرم الله سبحانه:
من صفات الله -سبحانه- أنه الكريم، وهوالكثير الخير، الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه.

كرمالنبي صلى الله عليه وسلم:
كان النبي صلى اللهعليه وسلم أكرم الناس شرفًا ونسبًا، وأجود الناس وأكرمهم في العطاء والإنفاق، فقدأتاه رجل يطلب منه مالا، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم غنمًا بين جبلين، فأخذهاكلها، ورجع إلى قومه، وقال لهم: أسلموا، فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم يعطي عطاءمن لا يخشى الفقر. [أحمد].
كما تروي عنه السيدةعائشة -رضي الله عنها- أنهم ذبحوا شاة، ثم وزعوها على الفقراء؛ فسأل النبي صلى اللهعليه وسلم السيدة عائشة: (ما بقي منها؟) فقالت: ما بقي إلا كتفها؛ فقال النبي صلىالله عليه وسلم: (بقي كلها غير كتفها) [الترمذي].
أي أن ما يتصدق بهالإنسان في سبيل الله هو الذي يبقي يوم القيامة، ولا يفنى إلا ما استعمله في هذهالدنيا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما نقص مال عبد منصدقة) [الترمذي].

أنواع الكرم:
بماأن الكرم يطلَق على ما يحمد من الأفعال؛ فإن له أنواعًا كثيرة منها:

الكرم مع الله:المسلم يكون كريمًا مع اللهبالإحسان في العبادة والطاعة، ومعرفة الله حق المعرفة، وفعل كل ما أمر به،والانتهاء عما نهى عنه.

الكرم مع النبي صلىالله عليه وسلم:ويكون بالاقتداء بسنته، والسير على منهجه، واتباع هديه،وتوقيره.

الكرم مع النفس:فلا يهينالإنسان نفسه، أو يذلها أو يعرضها لقول السوء أو اللغو، وقد وصف الله عباد الرحمنبأنهم: {وإذا مروا باللغو مروا كرامًا} [الفرقان: 72].

الكرم مع الأهلوالأقارب:المسلم يكرم زوجه وأولاده وأقاربه، وذلك بمعاملتهم معاملةحسنة، والإنفاق عليهم، فخير الإكرام والإنفاق أن يبدأ المسلم بأهله وزوجته. قالالله صلى الله عليه وسلم: (دينار أنفقتَه في سبيل الله،ودينار أنفقته في رقبة (إعتاق عبد)، ودينار تصدقتَ به على مسكين، ودينار أنفقتَهعلى أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقتَه على أهلك) [مسلم]. وقال الله صلى اللهعليه وسلم: (إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها (أيينوي عند إنفاقها أنها خالصة لوجه الله)، كانت له صدقة) [متفقعليه].
فالصدقة على القريب لها أجر مضاعف؛ لأن المسلم يأخذ بها ثوابالصدقة وثواب صلة الرحم. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم (القريب) ثنتان: صدقة،وصلة) [الترمذي والنسائي وابن ماجه]
إكرامالضيف:قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كانيؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرمضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) [متفقعليه].
الكرم مع الناس:طرقالكرم مع الناس كثيرة؛ فالتبسم فيوجوههم صدقة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم،فقال: (لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقي أخاك بوجهطلق) [مسلم].
وقد قال علي -رضي الله عنه- وهو يحث على العطاء وإن قَلَّ: لا تستحي من عطاء القليل؛ فالحرمان أقل منه، ولا تجبن عن الكثير؛ فإنك أكثرمنه.
وقال الله صلى الله عليه وسلم: (كل سُلامَي من الناسعليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته؛فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلىالصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة) [متفق عليه]. وقال الله صلى الله عليهوسلم: (كل معروف صدقة) [البخاري].

الكرم والإنفاق في حوائج المسلمين:المسلم يجب عليهأن ينفق في حوائج المسلمين، فمثلا في وقت الحروب يجب عليه أن يكثر من الإنفاقلتجهيز جيش المسلمين، وفي أزمات التعليم ينفق في تيسير التعليم، وإن كان هناك وباءأو مرض مثلا، فعليه أن يتبرع بالمال مساهمة منه في القضاء على هذا المرض، ولو علمالمسلم بحاجة أخيه المسلم في بلد إسلامي معين إلى دواء أو غذاء، فعليه أن يسارع إلىمعاونته.

فضل الجود والكرم:
*
ثواب الجودوالإنفاق عظيم، وقد رغَّبنا الله فيه في أكثر من موضع من القرآن الكريم، قال الله -تعالى-: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبةأنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 261].
وقال تعالى: {وما تنفقوا من خيريوف إليكم وأنتم لا تظلمون} [البقرة: 272].
وقال تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًّا وعلانية فلهم أجرهمعند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 274].
*
الكرم يقرب منالجنة ويبعد عن النار، قال الله صلى الله عليه وسلم: (السخيقريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار. والبخيل بعيد من الله،بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار) [الترمذي].
*
الكرم بركةللمال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبحالعباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا) [البخاري]. وقال الله في الحديث القدسي: (أنْفِقْ يا بن آدم أُنْفِقْ عليك) [متفق عليه].
*
الكرم عِزُّالدنيا، وشرف الآخرة، وحسن الصيت، وخلودُ جميل الذكر.
*
الكرم يجعل الإنسانمحبوبًا من أهله وجيرانه وأقاربه والناس أجمعين.
لكل هذه الفضائل فإن المسلم يحبأن يكون كريمًا، قال الله صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا فياثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة، فهويقضي بها ويعلمها) [البخاري].
وعلى المسلم أن يدرب نفسه على خلق الكرم،ويعودها عليه منذ صغره، وعليه أن يعلم أن المال مال الله، وأنه نفسَه مِلْكٌ لله،وأن ثواب الله عظيم، وأنه يثق في الله، فلا يخشى الفقر إذا أنفق، وأن يتأسى بالنبيصلى الله عليه وسلم وبصحابته في إنفاقهم، وعليه أن يكثر من الجود والكرم في جميعأوقات العام، وخاصة في شهر رمضان، وفي الأعياد والمناسبات التي تحتاج منه إلىذلك.

البخل:
المسلم لا يتصف بالبخل؛ لأنهخلق ذميم يبغضه الله -سبحانه- والناس أجمعون، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: (خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل، وسوء الخلق) [الترمذي].

جزاء البخل:
وقد ذمالله البخل من خلال آيات القرآن، وحذرنا منه، فقال عز وجل: {ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله خيرًا لهم بل هوشر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بماتعملون خبير}.
[
آل عمران: 180]. وقال تعالى: {والذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما أتاهم الله منفضله وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا} [النساء: 37].
وجعل الله عاقبةالمنفقين الفوز والفلاح؛ حيث قال: {ومن يوق شح نفسه فأولئكهم المفلحون} [الحشر: 9].
والبخل يرتد على صاحبه، فلا يذوق راحة أبدًا،يقول الله تعالى: {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغنيوأنتم الفقراء} [محمد: 38].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ منالبخل في دعائه، فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذبك من الجبن، وأعوذ بك أن أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العمر) [البخاري]. ويقولالنبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث مهلكات: هوًى مُتَّبَع،وشُحٌّ (بخل) مطاع، وإعجاب المـرء بنفسه) [الطبراني]. ويقول النبي صلى اللهعليه وسلم: (واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم..حملـهمعلى أن سفـكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) [مسلم].
وقال أحد الحكماء: البخيل ليس له خليل. وقال آخر: الجود يوجب المدح، والبخل يوجبالذم. وقال آخر:طعام الكريم دواء، وطعام البخيل داء. فعلى المسلم أن يجعل الجود والكرم صفة لازمة له على الدوام، وأن يبتعد عن البخلوالشح؛ حتى يفوز برضوان اللهوجنته.